ترجمات سياسة

المسار الانتخابي في الجزائر: تواريخ متعددة لمشهد واحد

جاءت فكرة الانتخابات أداةً لتعزيز الديمقراطية في اختيار من يقود ويدير الشأن العام في المجتمعات، ومن أجل التّدافع في الأفكار والبرامج والسياسات بين الكفاءات التي يرى فيها النخبة المثقفة أنها قادرة على تحصيل مصالح المجتمع، أو فئة من المجتمع، وساهم العمل الديمقراطي في خروج العديد من الدول والمجتمعات من حالة العنف والصراع، إلى التوافق والأمن المجتمعي.

وعرفت الجزائر التعددية السياسية والإعلامية لأول مرة في دستور 1989، وهو الإعلان الذي سمح بتشكيل أحزاب جديدة في الساحة السياسية، بعيدًا عن احتكار جبهة التحرير الوطني للمشهد، منذ اجلاء الاستعمار الفرنسي عام 1962، كما شهدت الجزائر تأسيس وسائل إعلامية مكتوبة مستقلة، وبدعم من حكومة الإصلاحات، حكومة مولود حمروش، بالإضافة إلى إعلان تأسيس المجلس الإعلامي للإعلام في ذلك الوقت.

وتشهد الساحة السياسية خلال هذه الفترة، حراكًا حزبيًّا وانتخابيًّا قبل التشريعيات، المقررة قبل أقل من ثلاثة أشهر، أي في مايو (أيار) 2017، إذ تعرف الرأي العام المحلي إلى عدد من رؤوس قوائم الأحزاب في الولايات، لدى عدد كبير من الأحزاب، بالإضافة إلى بداية التصريحات التي يحاول فيها كل حزب التقليل من شأن المنافسين، وشكل وجود إسلامي على رأس هيئة مراقبة الانتخابات ضجة لدى التيار العلماني والديمقراطي.

عبر هذا التقرير، سنحاول سرد مسار الانتخابات الجزائرية للقارئ، منذ التعددية المقررة عام 1989، حتى آخر انتخابات برلمانية عام 2012، والتي أفرزت تقريبًا في كل مرة نفس النتائج، ويصف المراقبون أول انتخابات برلمانية في يناير (كانون الثاني) 1992، بأنها أول وآخر انتخابات نزيهة عرفتها البلاد.

هكذا اغتيلت التجربة الدّيمقراطية الفتية

المسار الانتخابي في الجزائر
نتائج الانتخابات البرلمانية 26 ديسمبر (كانون الأوّل) 1991، بإجمالي 231 مقعدًا. (المصدر: وزارة الداخلية الجزائرية)

فازت الجبهات الثلاث في انتخابات 1992، وهو البرلمان الذي حُلّ بقرار توقيف المسار الانتخابي (الانقلاب العسكري) الذي أعلنه المجلس الرئاسي في ذلك الوقت، وقبله بمدة قصيرة أعلن استقالة الرئيس الشادلي بن جديد، والتي تعتبر إقالة غير مباشرة فرضها الأمر الواقع الذي كانت تتعامل به المؤسسة العسكرية.

وعاقبت الكتلة الناخبة في البلاد الحزب الحاكم «جبهة التحرير الوطني» المعروف بالأفلان، وكانت هذه الكتلة ذات قوة جماهيرية لها تأثيرها في الميزان السياسي الذي يزن التشكيلات السياسية، بمختلف ألوانها، إذ فازت الجبهة الإسلامية للإنقاذ بالغالبية المريحة جدًّا من كراسي البرلمان الجزائري، أي بـ82% من النسبة الإجمالية، أي 188 من أصل 231 مقعدًا، في حين جاءت جبهة القوى الاشتراكية بقيادة حسين آيت أحمد، وجبهة التحرير الوطني بقيادة عبد الحميد آيت مهري، في الرتبتين الثانية والثالثة على التوالي.

ولم يحصل أي حزب جديد ما عدا الجبهات الثلاث، المذكورة أعلاه، على مقاعد في البرلمان الأول من نوعه في التعددية الحزبية، وأدّى قرار توقيف المسار الانتخابي إلى دخول البلاد فيما يسمى بالعشرية السوداء، التي راح ضحيتها أكثر من 250 ألف قتيل، ومئات الألوف من المشردين والمعطوبين، ونزوح الآلاف إلى خارج البلاد. كما تم توقيف عدد من قيادات وإطارات الحزب المنحل «الفيس»، وسجن رئيسه عباسي مدني ونائبه علي بن حاج.

ويشير العديد من المتابعين، إلى أن التجربة الفتية للديمقراطية في الجزائر كانت سببًا مباشرًا في دخول البلاد في نفق مظلم، رهن المستقبل السياسي، وجعل النظام الجزائري يتحكم أكثر في المشهد السياسي، وتراجع النضال السياسي والاهتمام بالشأن العام، من قبل فئات واسعة من الشعب الجزائري.

ولم يظهر الإسلاميون للواجهة الانتخابية، إلا مع الاستحقاق الرئاسي، الذي خاضه الراحل محفوظ نحناح منافسًا لمرشح المؤسسة العسكرية، اليامين زروال، إذ فاز هذا الأخير بانتخابات الرئاسة عام 1995، ليصبح الرئيس الخامس في تاريخ الجمهورية الجزائرية المستقلة. واعترف مسؤول في السلطة بوجود تزوير شامل في الانتخابات أضر بنتائج المرشح الإسلامي.

فرز جهاز السّلطة الدّائم

المسار الانتخابي في الجزائر
نتائج الانتخابات البرلمانية في مايو (أيار) 1997، بإجمالي مقاعد 291. (المصدر: وزارة الداخلية الجزائرية)
في 1997 أسس الرئيس الجزائري السابق اليامين زروال، حزب التجمع الوطني الديمقراطي والمعروف اختصارًا بـ«أرندي RND»، وهو الحزب الذي يعتبر نفسه منذ التأسيس جزءًا من السلطة «ولا يمكن أن يكون خارج السلطة»، بحسب تصريحات قياديين وإطارات في الحزب. كما تأسس الحزب الذي حصد الرتبة الأولى في تشريعيات 1997، قبل ثلاثة أشهر فقط من الانتخابات التي جرت في شهر مايو (أيار) 1997.

وأعلنت اللجنة البرلمانية الخاصة بالتحقيق في نتائج الانتخابات التشريعية والمحلية لعام 1997، تأكيد «تزوير نتائج الاستحقاقين»، إلا أن ملف اللجنة اختفى ورئيسها الذي ينتمي إلى حزب «جبهة التحرير الوطني» التزم الصمت في ذلك الوقت، رغم المسيرات التي قادها إطارات الأحزاب الوطنية والإسلامية المتضررة في ذلك الوقت، أمام قصر الحكومة ومقر البرلمان.

وشمل التزوير الانتخابات المحلية التي جرت بعد أشهر قليلة من التشريعية، في نوفمبر (تشرين الثاني) 1997، وهو ما جعل الحزب الإسلامي بقيادة الراحل محفوظ نحناح (حركة مجتمع السلم)، يبدي اعتراضًا شديدًا على النتائج التي جعلته في المرتبة الثانية بعد التجمع الوطني الديمقراطي، وحقق الحزب الحاكم قبل التعددية، خسارة ثانية في الانتخابات، اعتبرها مراقبون عقابًا من السلطة بعد المغامرة التي سار فيها المجاهد عبد الحميد مهري.

تعددية بوتفليقة: نفس الأحزاب بنفس النتائج

في عام 2002، عادت الانتخابات البرلمانية إلى الواجهة، وهذه المرة مع رئيس جديد يعتبر الأطول في التاريخ السياسي المعاصر للبلاد، عبد العزيز بوتفليقة، ولعل أهم ما اتصفت به الساحة السياسية في ولايته، هو قدرة الرئيس على جمع المتناقضات في تحالف واحد، دام عقدًا كاملًا من الزمن، إذ عرفت في عهده الانتخابات تراجعًا كبيرًا من حيث الإقبال عليها من قبل تيار واسع من المجتمع.

كما عرف حزب جبهة التحرير الوطني، عودة إلى ريادة المشهد الانتخابي، وحصد غالبية الأصوات التي مكنته من قيادة البرلمان منذ ذلك الوقت، إلى غاية كتابة هذه الأسطر، وبنسبة مريحة جدًّا رفقة غريمه في الإدارة وحليفه الطبيعي في السلطة التجمع الوطني الديمقراطي «أرندي». وتجدد الحديث عن التزوير في هذه الانتخابات كذلك، على اعتبار أن كل الأصوات الخاصة بالإسلاك المشتركة (المؤسسات العسكرية والأمنية والجمارك)، حولت لصالح حزب جبهة التحرير الوطني.

المسار الانتخابي في الجزائر
نتائج الانتخابات البرلمانية في مايو (أيار) 2002، بإجمالي مقاعد 389. (المصدر: وزارة الداخلية الجزائرية)
وانبثق عن هذه الانتخابات تحالف رئاسي ضم ثلاثة أحزاب، تمثل التيارات السياسية الكبرى في الجزائر (وطني، ديمقراطي -علماني- وإسلامي)، ليعلن التحالف الرئاسي لتنفيذ برنامج عبد العزيز بوتفليقة ابتداءً من الانتخابات الرئاسية لعام 2004، أين تشكلت كل من جبهة التحرير الوطني، التجمع الوطني الديمقراطي وحركة مجتمع السلم، في لجنة واحدة لمساندة المترشح الحر عبد العزيز بوتفليقة.

ودخلت الأحزاب الجزائرية عهدًا جديدًا مع الصراعات التنظيمية الداخلية، إذ أطيح بعلي بن فليس من على رأس الحزب الأول (جبهة التحرير الوطني)، كما أطيح قبله الرجل الثاني في الحركة الإسلامية عبد الله جاب الله من على رأس حركة النهضة، ثم حركة الإصلاح الوطني على التوالي، بالإضافة إلى انشقاق أحزاب أخرى عن حركة مجتمع السلم بعد وفاة مؤسسها الراحل محفوظ نحناح.

تثبيت القويّ وتجزئة الضعيف في 2007

وفي 17 مايو (أيار) 2007، تجدد الموعد مع الانتخابات التشريعية التي دخلت هذه المرة بعد تجربة التحالف الرئاسي «أفلان، وأرندي، وحمس» الذي ينادي بتطبيق برنامج رئيس البلاد بوتفليقة، في حين تمت إطاحة الحليف الآخر علي بن فليس من على رأس الحزب الحاكم، كما عرفت البلاد خلال هذه الفترة ملفات فساد ثقيلة، بداية من قضية «مجمع الخليفة» الفار إلى بريطانيا واستقر هناك، إلى غاية تسليمه إلى الجزائر في 2015.

هذه الانتخابات لم تحمل مفاجآت كبيرة سوى الحفاظ على نفس المشهد، مثلما تبينه الأرقام التالية:

المسار الانتخابي في الجزائر
نتائج الانتخاب البرلمانية في مايو 2007 بإجمالي 389 مقعدًا. (المصدر: وزارة الداخلية الجزائرية)
ويتضح من هذه النتائج عودة التيار العلماني بقوة إلى المقاعد البرلمانية، رغم مقاطعة جبهة القوى الاشتراكية (معتدل) للاستحقاق الانتخابي، حيث جاء هذا التيار قبل الإسلاميين بـ28% من نسبة المقاعد، في حين تحصل التيار الإسلامي بقيادة حمس على 15% فقط من المقاعد البرلمانية. إلا أن التحالف الرئاسي حافظ على توازن المشهد السياسي عبر وجود الوطنيين والإسلاميين والعلمانيين في تكتل واحد.

2012 وشعار «ربيعنا جزائري»

اختارت الحكومة الجزائرية في أبريل (نيسان) 2012 شعار الحملة الانتخابية بعنوان «ربيعنا جزائري»، وهو الشعار الذي جاء مع اندلاع ثورات الربيع العربي في المنطقة، باستثناء دول قليلة سارعت لبعض الإجراءات التي سمتها بالإصلاحات، مثلما فعل رئيس البلاد عبد العزيز بوتفليقة. وفي خضم الأحداث، فك الحليف الثالث للتكتل الرئاسي، حركة مجتمع السلم، الارتباط بجبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، مبررًا خروجه من الحكومة بفشل الإصلاحات.

وبخروج حمس من الحكومة، شكلت تحالفًا ظرفيًّا بالانتخابات، سمي التكتل الأخضر، إذ جمع ثلاثة تشكيلات إسلامية في صورة حركة النهضة، وحركة الإصلاح الوطني، في حين رفض عبد الله جاب الله الالتحاق بالتكتل الإسلامي، الذي وصفه في ذلك الوقت بأنه غير جاد. ودام التكتل خمس سنوات من 2012 حتى 2017 ككتلة برلمانية موحدة، دون وجود تكتل سياسي يشمل الأحزاب نفسها.

في حين تزعم حزب جبهة التحرير الوطني، النتائج الانتخابية لذلك العام عبر حصوله على أكثر من 200 مقعد في البرلمان، وهي نفسها النتائج التي تجعل المشهد السياسي لا يتغير في ثلاث ولايات (عهدات) للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، رغم الصراع الداخلي الذي دائمًا ما يطيح زعيم حزب الأغلبية، فبعد بن فليس، أطيح عبد العزيز بلخادم (رئيس حكومة أسبق ووزير للخارجية)، وأطيح كذلك خليفته عمار سعيداني (رئيس مجلس الأمة سابقًا) ليتم تعيين الوزير الأسبق جمال ولد عباس مؤخرًا على رأس حزب الريادة في المشهد السياسي.

المسار الانتخابي في الجزائر
نتائج الانتخاب البرلمانية في مايو (أيار) 2012 بإجمالي 462 مقعدًا. (المصدر: وزارة الداخلية الجزائرية)

ومنذ إقرار التعددية السياسية تراجعت نسبة الكتل الناخبة وصولًا إلى أقل من 20%، عبر تصريحات الهيئة الوطنية لمراقبة الانتخابات، واستمر نفس المشهد السياسي خلال كل ولايات الرئيس عبد العزيز بوتفيلقة، بالإضافة إلى مشكل التزوير الذي تتحدث عنه مختلف التشكيلات السياسية، بما فيها مسؤولون في الحكومة الجزائرية.

وتأتي الانتخابات القادمة بحسابات جديدة في المشهد السياسي، إذ عادت العائلات السياسية ذات اللون الواحد، إلى التحالف والتكتل في صورة الإسلاميين (حركة مجتمع السلم وجبهة التغيير)، بالإضافة إلى (الاتحاد من أجل النهضة والعدالة والبناء)، الذي جعل الإسلاميين يتشكلون في قطبين رئيسيين.

كما ستدخل الانتخابات القادمة، والمقررة في شهر مايو/ أيار 2017، كل الأحزاب المعروفة في الساحة السياسية، مثل جبهة التحرير الوطني، والتجمع الوطني الديمقراطي، وتجمع أمل الجزائر (المنشق عن حمس)، والقطبين الإسلاميين المذكورين، وجبهة القوى الاشتراكية، والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، والكثير من الأحزاب التي توصف بالصغيرة في المشهد الحزبي.

وسيقاطع رئيس طلائع الحريات، علي بن فليس، وحزب جيل جديد، وبعض الناشطين في هيئة التشاور والمتابعة (تكتل معارض) الانتخابات، بدعوى عدم وجود ضمانات كاملة لنزاهة الانتخابات، وهذا ما أضعف المعارضة في الفترة الأخيرة، إذ تشكلت خلافات عميقة بين مختلف الأطراف التي كانت لها نشاطات مشتركة وموحدة في الكثير من القضايا، تجاه السلطة التي أقرت دستورًا جديدًا لم يأخذ بمقترحات المعارضة.

وبعد سرد كل هذا المسار الانتخابي في الجزائر، هل يمكن تكرار تجربة 1997 بعد مضي عقدين من الزمن على استحقاقات أفرزت مجموعات برلمانية متقاربة المقاعد؟ أم سيستمر حزب جبهة التحرير الوطني في إعادة مشهد الحزب الواحد، قبل دستور التعددية الذي جاء به الشادلي بن جديد منذ قرابة الثلاثة عقود؟ كل هذا سيتم الإجابة عنه شهر مايو/ أيار 2017.

المصدر